Friday, April 17, 2020

الشرّير الخير ... بقلم الكاتب المبدع الأستاذ / خالد حميدة

الشرير الخيّر

صباحاً من شباط، السماء بحلب متقلبة فيها الغيوم بين سريعة وبطيئة، منتصف النهار غداة انصراف الطلاب من مدارسهم الشوارع تعج بالفوضى والانتظام في آن، قُرب الإطفائية بين حيي السليمانية وميسلون، هناك إعدادية الشهيد ميخائيل كشور، زاهر وباهر وسامر يخرجون من المدرسة ويتجهون نحو منازلهم في حي السيد علي باللعب أحيانا وبالقتال أحيانا أخرى، كم رموا بعضهم بزجاجات المياه الغازية، كم تأخروا عن بيوتهم بانشغالهم بكرة القدم، كم تأخروا عن مدرستهم صباحا بسبب تزلجهم على المياه المتجمدة شتاءً قرب الإطفائية؟ فتيان ينتقلون من البراءة إلى اللابراءة، كلٌ حسب تربيته، تميد بهم الأيام والشوارع، في مدخل حيّهم حيث منازلهم اعترضهم فتية بعمرهم أو أكبر قليلا ومدّ أحدهم – بدا أنه كبيرهم - يده إليهم طالباً منهم تقبيلها.
هبّت ريح نشطة أثارت بعض الغبار، والسحب في السماء تمضي ولا تأبه لما يحصل في الأرض، تسلو بأطيارها، تبتهج بأشعة الشمس التي تغمر ظهرها، تدفئها وتبددها في آن، مرّ عديد الأشخاص وما اكترثوا لما يحصل بين الفتية بعدما قام كلٌ من زاهر وباهر بتقبيل تلك اليد سوى أن سامر ما نفّذ رغبة ندّه بل رفع يدهُ من حذاء فخذه ولطمه بكل قوة فاستعر الأخير غضبا وتطور الأمر لشجار بين الجمع اختلط فيه الطفولة والفتوة، عراك بالأيادي، وجذب مؤلم للشعر، رفس على البطون الفتيّة ودعّ بقصد الإطاحة وصراخ وزعيق. تمزقت بعض ثيابهم، أزرار قطّعت، تناثرت حقائبهم وأقلامها، وكذا العلم الكائن بين طبقاتها، وأوساخ الشارع وجدت طريقها إلى لباسهم المدرسي، كم بدا عليه الاهتراء، واقترب بعض المارة ليفضّوا النزاع الحاصل بين الفتية، التعب نجح في التسلل إلى أجسادهم.
في أوج الاقتتال انسحب زاهر واتجه نحو بيته من طريق بعيدة، خائفا يترقب، يرمي نظره خلفه بتوجس، من حوله بدا كأن الجدران فتحت لها عيون راحت تراقبه وغدا للأبواب أيدٍ تهمّ أن تبطش به، والأرض واد سحيق لا قرار لها.
حصل الأسوأ زعيم العصابة يتبعه يصحبه بعض إجهاد، ركض باهر فعدا نحوه نزار – زعيم العصابة.
الخوف بقلب باهر تحول لجبال شاهقات مكسوة بالعوسج وتزينها بسمات الشياطين.
مئات الأمتار والمطاردة مستمرة حتى احتل الإنهاك باهر ووقف يلتقط أنفاساً هاربة هي الأخرى، عند وصول نزار كان الهلع ينضح من باهر واتخذ وضعية تحمي نفسه من الأذى المُنتظر، غير أن نزار قال له بأنفاسه متقطعة:
- ما تبعتك لأضربك مجددا
- .....
- انتظر ريثما اتنفس
- .... ما .. ذا ..تر ... يد
- قليلا بعد
- ........
- خذ هذه قبعتك سقطت أثناء الشجار وأنت فقير لن أؤذيك فوق أذاك.

خالد حميدة
حلب
17 / 4 / 2020

No comments:

Post a Comment