*الخريطة الحلم*
أول ما تفتحت عيناي على الحياة رأيت خريطة على أحد جدران منزلنا، وعندما التحقت بالمدرسة وجدت ذات الخريطة معلقة على أحد جدران فصلنا الدراسي، وعندما كنت أشاهد التلفاز كانت محور حديث الجميع في الدراما والبرامج فكانت ضيفا لا يغيب ، سألت معلمي عن تلك الخريطة المعلقة بكل مكان فقال لي هذه خريطة الوطن العربي ، كبرت عاما آخر وذهبت إلى المدرسة ودخل مدرس الفصل وبدأ يشرح لنا أول حصة جغرافيا وعرفت حينها معنى الخريطة وشرح لنا الدول العربية التى تقع في قارة افريقيا والدول العربية التى تقع في قارة آسيا وطلب منا رسم الخريطة في المنزل .
بدأت أولى محاولاتي في الرسم . بدأت بالقلم الرصاص ثم لونت الخريطة بأول علبة ألوان اقتنيتها وكنت أحب اللون الأخضر فلونت الخريطة به ثم بدأت في كتابة أسماء الدول
كتبت أسماء الدول التي تقع في إفريقيا وراجعتها وبدأت في كتابة الدول التي تقع في آسيا لكني توقفت فجاة فلم أجد فلسطين ووجدت مكانها دولة أخرى ليست عربية ولم يشرح لنا المدرس عنها شيئا.
تفحصت الخريطة جيدا لأتاكد ،كل الدول موجودة عدا فلسطين، ازدادت حيرتي ثم ذهبت مسرعا لأبي أسأله ،عن هذه الدولة الغريبة التي تنتمي للخريطة وليست عربية .
قلت لأبي ما هذه الدولة إسرا٠٠٠، وغضب أبي وصرخ لا تكمل
اسمها الكيان المغتصب وهو نبت غريب سيزول قريبا
لم أفهم جيدا معنى كيان مغتصب لكني اطمئننت لكلمات أبي وأعدت تلوين الخريطة ورسمت هذا الكيان باللون الأسود وحضنت خريطتي ونمت ثم استيقظت متوحدا بها
وكبرت عاما بعد عام وبدأت أرسم وجوه أسرتي وصاحباتي وبدأ الجميع يثني على موهبتي وبدأت أحلم برسم أول لوحة وبدأت أكبر ويكبر حلمي ومن أول لوحة لأول معرض
،استيفظت يوما من نومي وشعرت أني أفقد مني شيئا لكني لا أعلم ما هو بالضبط ، أسرعت إلى خريطتي ورسمتي الأولى
فوجدتها تنقص ايضا وكأنها أصيبت بسرطان شره وشرس
أعدت رسم الخريطة ووجدت اللون الأحمر احتل الجزء الأكبر في لوحتي بكيت بشدة وذهبت لأبي أعاتبه
ألم تقل لي يا أبي إن هذا السرطان سيزول قريبا ؟!!
إنه يزداد توسعا ويكاد يجتاح لوحتي .
كان أبي صامتا لكن دموعه كانت تبلل خدوده ويبدو عاجزا عن الرد عاجزا تماما
عندما التقيت بمدرسي سألته أيضا وأخذ يعطيني درسا فيه الأمل والتفاؤل والمستقبل الجميل الذي ينتظر خريطتي وعندما لاحظ عدم اقتناعي نزلت دموعه أيضا وتوارى عني خجلا.
أصبحت كل يوم أفقد مني شيئا جديدا، أفقد مرةالقدرة على التخيل ومرة أفقد ضميري ثم فقدت جزءا كبيرا من ذاكرتي . مرت الأيام وأنا اتناقص شيئا فشيئا.
الآن أوشكت على الانتهاء من دراستي في كلية الفنون الجميلة واقترب حلمي مني لكني ابتعدت عنه وأخذت أتلاشى . خفت على الخريطة وازداد خوفي عندما فتحت التلفاز لم أجد أي ذكر لها كل النقاشات اختفت ، الدراما متجاهلة حتى خطب المسؤوليين أصبحت متغايرة
بحثت عن الخريطة على جدران منزلنا فلم أجدها أيضا هرولت إلى خريطتي الأولى وبحثت جاهدا فلم أجدها، كانت هناك ورقة معلقة فيها كلمة واحدة صفقة القرن.
ذهبت لمدرستي الاولى حيث كانت هناك الخريطة وتفحصت كل جدران الفصل ولم أجدها أيضا
كان المدرس يشرح الدرس وكان الدرس عن بنود معاهدات السلام وفوائد التطبيع. كان يشرح ويرفع صوته وكان يتجاهلني تماما وكلما تكلم أكثر كنت أتلاشى أكثر
حتى اختفيت تماما عدا جزء مني كان يصرخ
الخريطة الحلم ف ل س ط ي ن.
No comments:
Post a Comment