Friday, December 13, 2019

قال الراوي ... بقلم الكاتب المبدع الأستاذ / سليم أحمد حسن

قــــــــال الـــــــراوي...

 ــ  حكايــــة ن التراث الفلسطيني.. لا تـفـوتكم احكوها للأبنـاء              
     وللأهـل فهي من عجائب ذاك الزمان.. والعبرة في النهاية.

المستشـار د. سليم أحمـد حسن ـ الأردن

**********************************

ما أجمـلَ بنتِ السلطان ..كاللوحة ِأبدعها فنـّانْ، كالقمـر يناجيه ِحبيبانْ ..

كالنسمة في صبح ٍ هبـّتْ ..لتداعبَ أهـدابَ الأجفانْ .كأجمل ِزهـراتِ البستانْ .

إن نزلت للسوقِ ..أصيبَ الناس بمسّ ٍ أو هذيانْ. ونسَـوا ما كانوا فيهِ ..

وتاهوا بجمال ٍ ربـّانيّ ٍ فتانْ.

***

ذات صباح ٍ أعلن قصرُ السلطان ..أن أميرتـَه " فـرْط الرّمـان ".              
تنوي إجراء َمسابقةٍ يتفوّق فيها أمهرُ كـذاب ٍ بين الشـبان .

يحكي الواحد قـصّتَـه..لا يـصُـدقُ في شـيء منها ..

والفائزُ سـوف يكون .. أميرَ السلطنة ِ.. وصِهـْرَ السلطان .

والخاسـرُ يـُرسَـلُ للسّجن ِ وراءَ القضبان .

***

اجتمعَ السلطانُ مع ابنتهِ .. ورجال ِ الدولة ِ في الديوان .

ـ دخل أمــيرٌ، بدأ حكايتـَه "باسم الله" ! قالت فرط ُالرمـّانِّ : صدقَ بما قال ..

خذوه إلى السجن ..فكلّ الصدق بذكر ِالرحمن.

* * *

دخـــل الثـــــاني بدأ القول َ.. "صلاة ُالله ِعلى خير الخلق ِرسول ِالله!

قالت فرط الرمّانِّ : خـذوه إلى السّجن ِ..فلقد بدأ بصدق القولْ ..

ما أحلى ذكر رسول ِ الرحمن .

* * *

دخل الثـالث، والرابـع، والخـامسُ، والسـادسُ .........

حتى امتلأ السّجنُ..وضاقَ السـجّان .

* * *

في يوم ٍ، والكلّ جلوسٌ في الدّيوان ..دخـل إليهم فـلاّح يحمل كيسـًا ..

يبدو أنّ الرّجلَ، أجــيرٌ في بسـتان !قال له السّلطانُ أتعـرف يا ولـدي..

شـرط أميرتـِنا "فـرط الـرمّان"؟

ردّ الفلاّح الواثقُ من دعـواه.. سبحانَ الله ..خالق ِهذا الحسن الريـّان.

أعرف شرط أميرتنا.. وأنا الآن أكثر تصميما .. وسأبذل كلّ حيـاتي ..

كي أفخـرَ بالنسب وبالجاه

* * *

في قريتنا ..يــُجمع بيض دجاج القريةِ..أكواما كالبيدرْ.

ويضرب بالأحجار ِ لكي يـُكسـرْ. فتخرجَ منه الصّيصان !!

ذات حصاد ٍ ..فوجىء من كانوا عند البيدرِ ِ..

حين رأوا ديكا يخرجُ منِ إحدى البيضاتِ . وله لـونٌ أحمـر ..

أخذ الديك يصيح ُ .. ويكبرُ، يكبرُ، يكبرْ ..

تساءل صاحب هذا الديك .. ماذا أفعل ؟

قيل لهُ : ضـع فوق الديك ِ ..السـحّارات ِ الخشـبية ِ  .. (1)

تاجر في الحـارات عليه .. إذ يبدو هذا الديكُ قويّا مثل حصان !

وبيوم ٍ جَـرحت إحـدى السـحارات ِالديكْ .. قيل له اطحن " حبة َجوز ٍ" ..

رُشّ الجـرحَ بها يشـفى .. ويكون الديك بخيرٍ وأمان ..

ما أن وضع الرجلُ طحينَ الجوزة ِ فوق الجرح ِ.. حتى نبتـت شجـرة ُجوز ٍ    
فوق الديك ..راحت تعلو في الأفق ِ كما البنيـان .. وفروعُ الشّجرةِ، راحت تمتدُّ ..

على سـعة ِالأفقِ.. كما يتلـوى الثّعبان ..حملت من حبّات الجوز ِالناضج ِ

عشـراتِ الأطنان. اسـتدعى الفلاح " الجـدّادينَ " .. (2)

وكلٌ يحمـلُ " جـدّادة ْ " .. (3) صعِـد الجدّادون الشجرة ْ ..

راح الواحدُ منهم..يضرب بعصاهُ الغصنَ..

ولا يُسـمعُ صوتُ عِصيّ الجدادين .. لتباعـدِ تلك الأغصان..

وراح العشرات يلـمّون الحبّ عن الأرض ..وتجارٌ جاؤوا من كل مكان .

نظر الفلاحُ .. فرأى حبة َجوز ٍ..واحـدة ً باقية ًبين الأغصان ..

فرماها بالطين ليسـقطـَها ٍ..عجبــًا وغريبـا ما كان..تحـوّل ظهرُ الشّجرة سـهلا..

لا تصل مـداه العينـان !!

* * *

قيل له ازرع هذا السّهلَ الواسعَ " بالسِّمْسِم ِ "..فابتاع الفلاّح السّمسمَ..

واستدعى الحـرّاثين الزرّاعين ..(4)، حرثوا السهل .. ونثروا الحبّ ..

ومـا أن كان ْ ..جاء إليه صديقٌ ينصحُـهُ ..أنت تعـجـّلتَ وأنت الخسـران ..

لو كنتَ زرعت البـِطـّيخَ .. لكنت الأولّ في الميـدان .

قـال الفلاح ُ تعالوا نجمعُ حبّات السّمسم ِ..وراحَ يعـد الحبّات ِ المجموعة َ..

ثم علا صوتُ الرّجل يقول :تنقص واحدة ً.. هيا نبحثُ عنها يا إخوان !

ورآها في فمّ النملةِ فراح يشـدّ الحبة َفانقسمتْ،                                
فجـرى سـيلٌ من زيتِ السمسم ِكالفيضان.

***

ونمـا البـِـطـّيخُ ..صارت تزن الحبة "أطنـان" ! فدعا صاحبـُنـا أهل القرية ِ..

ليذوقوا البـِطـِّيخَ الأحلى ..واحدة منه ستكفي كلّ السّـكان.

وضع السكـّينَ على سطح البطيخةِ ..دخلت فيها ..فتحت بـابا يدخلُ منه اثنان !

دخـل وراء السكّينِ .. رأى عجبـًا .. بـلدا يتطاولُ فيه البنيـان ..والناسُ يصيحـونْ ..

مَـنْ صاحبُ هذا السكّينْ ..ومتى أو كيفَ رمـاها ؟كي تنغرسَ بعين الولدِ المسكين !

وحين رأوه .. قال أبوه ْ ..هـذا الجاني فاعتقلوه ..

هـرب الفلاّحْ ..أمسك ذيلَ حمـار ٍ، فانقطعَ الذيلْ ..

* * *

ثـمّ اصطدمَ بعنف ٍ .. بامرأة حاملْ أسـقطت الحمـلْ .

* * *

صَعـِدَ إلى سطح ِ المسجد ِ..قفزَ عن السطح ِ..وقع على رجل سـاجدْ ..

فزاد الأمـرُ جريمة َ قـتـلْ .

* * *

دخل الفلاحُ إلى محكمة ِالبلدةِ ..أشار إلى القاضي بيديـهِ..

بأن عطاءً يرضاه القاضي.. سـيؤولُ إليه . دخل الجمْعُ وراء الرّجل ِ ..

أجلسهم ذاك القاضي .. طمأنهم ..من كان له حقٌ ..فسيحصلُ بالتأكيد عليهْ .

* * *

قال الخصم الأولُ : هذا الرّجل رمى سكـّين دخـلت من ولدي بالعين .

قـال القاضي : العين بعين .. يقفُ الرّجل بعيدا عنك .. وسترمي أنت السكّينْ ..

فتصيبَ العينُ .. ـ إن أخطأتْ،  تـدخـلُ أنت السّجن ْ!

ـ لا يا مولاي ..أُســقـِط ُ دعـواي !

***

قـــال الثــاني : وأنا، أمسَـكَ ذيلَ حماري ..وظل يشـدّ انقطعَ الذّيل ْ.

قــال القاضي : نعطيه ِحماركَ .. يُطعمهُ .. يسقيهِ ..

يعالجه ُحتى ينبتَ ذاك الذّيلْ .. ويعود إليك كما في الأصلْ .

ـ لا يا مولاي ..أُسـقـِط ُ دعـواي !

* * *

قـــــال الثـــالث : وأنا دفع امرأتي، وقعت .. أسْـقـِط َ منها الحمـلْ .

قـال القـاضي: طلقها أنت..يتزوّجُها حتى تحمـلْ .فيطلقـها، وتعودَ إليك بحمـلْ !

ـ لا يا مولاي .. أسقط دعـواي .

* * *

قــــال الــرابــعُ : وأنا، قفزَ المجرمُ هذا ..من سطح المسجدِ فوق أخي

فارتكبَ جـريمة َ قـتـلْ !

القـاضي : تصعدُ أنت إلى سطح المسجدِ.. تقفزُ فوق الرجل ِ .. وهذا العدلْ!

لكن، فأنا قـد أُقـْـتـَل ! .. لا يا مـولاي ..أســحبُ دعـواي !

ولمّا انفردَ به القاضي : قال له، هـاتِ الأعطية َ الآن !

قال الفلاح : أية أعطية ٍ يا مولاي ؟أنا حين رفعتُ يـَدَيَّ، دعوتُ الرحمن.

أن تـُصبحَ "عـِمَّـتُــكُم " أكبر..أن يعلو شأنـُك أكـثر ..كي تصبـحَ أنت السلطانْ .

***

وأضاف الـراوي :وتزوّج أمهرُ كذاب بنتَ السلطان .فأضاعَ الناس الصّـدقَ..

وحسْن الخلـُق ِ مع الإيمان .وصار شعار وصول الواحد ِمنهم..

للجاهِ، وللمركز ِ..وطريق ٍمفروش ٍ بالريحان ..كذبٌ، ونفـاقٌ، وفسـادٌ ..

سوقٌ مفتوحٌ .. تبتاع وتشرى فيه الذممُ ..بقول الزور، أو البهتان .

*********************************

1 : سحـّارات : جمع سحـّارة، صندوق مصنوع من قطع خشبية،

غالبا بدون غطاء، تجمع فيه الثمار للبيع.

2 : الجدّاد : من يحمل عصا، ويصعد إلى الشجره، فيضرب

الأغصان بعصاه، ليتساقط الثمـر .

3 : الجدّادة : العصا الطويلة، التي يستعملها الجداد .

4 : الزرّاع : الذي يزرع الأرض .

*********************

No comments:

Post a Comment